أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
13
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
كيف يشاء تصويركم يصوّركم ، فحذف « تصويركم » لأنه مفعول يشاء ، و « يُصَوِّرُكُمْ » لدلالة « يُصَوِّرُكُمْ » الأول عليه ، ونظيره قولهم : « أنت ظالم إن فعلت » تقديره : أنت ظالم إن فعلت فأنت ظالم . وعند من يجيز تقديم الجزاء في الشر الصريح يجعل « يُصَوِّرُكُمْ » المتقدم هو الجزاء . و كَيْفَ منصوب على الحال بالفعل على الحال بالفعل بعده ، والمعنى : على أيّ حال شاء أن يصوّركم صوّركم ، وتقدّم الكلام على ذلك في قوله : « كَيْفَ تَكْفُرُونَ » « 1 » ولا جائز أن تكون « كَيْفَ » معمولة ليصوّركم لأنّ لها صدر الكلام ، وما له صدر الكلام لا يعمل فيه إلا أحد شيئين : إمّا حرف الجر نحو : بمن تمر ؟ وإمّا المضاف نحو : « غلام من عندك » ؟ الثاني : أن تكون « كَيْفَ » ظرفا ليشاء ، والجملة في محلّ نصب على الحال من ضمير اسم اللّه تعالى تقديره : يصوّركم على مشيئته أي مريدا . الثالث : كذلك إلا أنه حال من مفعول « يُصَوِّرُكُمْ » تقديره : يصوركم متقلبين على مشيئته . ذكر الوجهين أبو البقاء ، ولمّا ذكر غيره كونها حالا من ضمير اسم اللّه قدّرها بقوله : يصوّركم في الأرحام قادرا على تصويركم مالكا ذلك . الرّابع : أن تكون الجملة في موضع المصدر ، المعنى يصوّركم في الأرحام تصوير المشيئة وكما يشاء ، هكذا قال الحوفي . وفي قوله : « الجملة في موضع المصدر » تسامح لأنّ الجمل لا تقوم مقام المصادر ، ومراده أنّ « كَيْفَ » دالّة على ذلك ، ولكن لمّا كانت في ضمن الجملة نسب ذلك إلى الجملة . وقوله هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ : تحتمل هذه الجملة أن تكون مستأنفة سيقت لمجرد الإخبار بذلك ، وأن تكون في محلّ رفع خبرا ثانيا لإنّ . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 7 ] هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 7 ) قوله تعالى : مِنْهُ آياتٌ يجوز أن تكون « آياتٌ » رفعا بالابتداء والجارّ خبره . وفي الجملة على هذا وجهان : أحدهما : أنها مستأنفة . والثاني : أنها في محلّ نصب على الحال من « الْكِتابَ » أي : هو الذي أنزل الكتاب في هذه الحال أي : منقسما إلى محكم ومتشابه ، ويجوز أن يكون « مِنْهُ » هو الحال وحده ، و « آياتٌ » رفع به على الفاعلية . و هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ يجوز أن تكون الجملة صفة للنكرة قبلها ، ويجوز أن تكون مستأنفة ، وأخبر بلفظ الواحد وهو « أُمُّ » عن جمع ، وهو « هُنَّ » : إمّا لأن المراد كلّ واحدة منه أمّ ، وإمّا لأنّ المجموع بمنزلة آية واحدة كقوله : وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً « 2 » وإما لأنه مفرد واقع موقع الجمع كقوله : « وَعَلى سَمْعِهِمْ » « 3 » و [ قال الشاعر ] :
--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 28 ) . ( 2 ) سورة المؤمنون ، آية ( 50 ) . ( 3 ) سورة البقرة ، آية ( 7 ) .